أقسام الوصول السريع (مربع البحث)

قصة قبل النوم طويلة للأطفال: رحلة آدم في قطار النجوم البطيء

قصة قبل النوم طويلة للأطفال عن آدم وقطار النجوم البطيء

هناك ليالٍ ينام فيها الطفل قبل أن نصل إلى نهاية الحكاية، وليالٍ أخرى يبقى فيها عقله مستيقظًا رغم أن الغرفة هدأت، يتذكر شيئًا حدث في المدرسة، ويفكر فيما سيجري غدًا، ثم يطلب قصة أخرى لأن النوم لم يجد طريقه إليه بعد.

وفي مثل هذه الليالي قد تكون قصة قبل النوم طويلة للأطفال أكثر ملاءمة من حكاية سريعة، ليس لأنها تملأ الوقت فحسب، بل لأنها تمنح الطفل مساحة هادئة ينتقل فيها بالتدريج من ضجيج اليوم إلى عالم أبطأ، عالم لا تحتاج أحداثه إلى صراخ أو مطاردات حتى تبقى ممتعة.

ولهذا كتبنا في تباسيط حكاية «آدم وقطار النجوم البطيء»، مغامرة خيالية طويلة بنبرة هادئة ونهاية مطمئنة، تتسلل بين أحداثها معانٍ بسيطة عن ذكر الله، وترك القلق، والتوكل عليه، دون أن تتوقف الحكاية لتشرح هذه القيم أو تحولها إلى درس مباشر.

العمر المقترح: من 6 إلى 10 سنوات
مدة القراءة التقريبية: 12 إلى 15 دقيقة

قصة آدم وقطار النجوم البطيء

النافذة التي لم يدخل منها النوم

كانت الساعة قد تجاوزت التاسعة بقليل، وانطفأت معظم نوافذ العمارة المقابلة، ولم يبقَ في الشارع سوى مصباح أصفر قرب المخبزة المغلقة وسيارة تمر بين حين وآخر ثم يبتلع صوتها آخر الطريق، أما آدم فكان مستلقيًا تحت غطائه الأزرق وعيناه مفتوحتان، يقلب الوسادة إلى الجهة الباردة ثم يعيد ترتيبها، يسحب الغطاء حتى ذقنه ثم ينزله قليلًا، وكأن النوم موجود في الغرفة لكنه يرفض أن يقترب من السرير.

قبل قليل جلست أمه بجواره كما تفعل كل ليلة، قرآ معًا ما يحفظه من أذكار النوم، ثم مسحت على شعره وقالت: «والآن اترك ما في رأسك لله يا آدم، غدًا سيأتي في وقته»، أغمض عينيه بعدها وحاول أن يهدأ، لكنه ظل يتذكر مشروع المدرسة ومباراة يوم الجمعة والسؤال الذي نسي أن يسأله للمعلم.

بعد دقائق عادت أمه وأطلت من الباب، فلما وجدته مستيقظًا قالت مبتسمة: «ما زال رأسك يفكر؟»، هز آدم رأسه، فجلست قربه لحظة وقالت: «ليس علينا أن نجد جوابًا لكل شيء قبل النوم، نحن نفعل ما نستطيع ثم نتوكل على الله، دع قلبك يهدأ ودع الغد يبقى للغد».

خرجت أمه وأغلقت الباب برفق، وبقي آدم يفكر في جملتها، «دع الغد يبقى للغد»، تخيل الغد حقيبة مغلقة لا ينبغي فتحها قبل موعدها، وفي اللحظة نفسها سمع صوتًا غريبًا يأتي من جهة النافذة.

طننن... طَن.

جلس في فراشه وأنصت، لم يكن جرس الباب ولا هاتفًا ولا صوت مصعد العمارة، وبعد لحظات جاء الصوت مرة أخرى أخف من الأولى، فاقترب آدم من النافذة وأزاح الستارة.

فوق سطح العمارة المقابلة ظهر ضوء أخضر صغير يتحرك ببطء، ظنه في البداية طائرة بعيدة، لكنه اتسع شيئًا فشيئًا حتى ظهر خلفه شيء يشبه قطارًا صغيرًا يسير فوق خط رفيع من الضوء الممتد في السماء.

فتح آدم النافذة قليلًا، فتوقف القطار أمامها تمامًا.

التذكرة تحت الوسادة

آدم يجد تذكرة قطار سحرية مضيئة تحت وسادته قبل النوم

كانت القاطرة أصغر من قطارات المدينة، لكنها أكبر من أن تكون لعبة، لونها أزرق داكن وعلى جانبيها نوافذ مستديرة يخرج منها ضوء دافئ يشبه ضوء المصابيح القديمة، ثم انفتح باب إحدى العربات وظهر رجل قصير يرتدي معطفًا أخضر وقبعة مستديرة، وله شارب أبيض طويل يلتف قليلًا عند الطرفين.

نظر الرجل إلى آدم وقال: «آدم؟ الغرفة ذات الستارة الزرقاء؟»، هز آدم رأسه بدهشة، فأخرج الرجل ساعة صغيرة من جيبه ونظر إليها ثم قال: «ممتاز، وصلنا في الموعد، وهذا نادر جدًا».

سأله آدم: «من أنتم؟»، فرفع الرجل حاجبيه كأن السؤال فاجأه وقال: «قطار النجوم البطيء بالطبع»، رد آدم بسرعة: «لكن لا يوجد قطار في السماء»، فأجابه الرجل: «في النهار لا، سيكون ذلك مزعجًا جدًا للطائرات».

ثم مد يده وقال: «هل وجدت تذكرتك؟»، سأله آدم عن أي تذكرة يتحدث، فأشار الرجل إلى السرير وقال: «تحت الوسادة على الأغلب، التذاكر تحب الاختباء هناك»، عاد آدم ورفع الوسادة، فوجد تحتها مستطيلًا صغيرًا من الورق الفضي كتب عليه: راكب واحد — محطة القمر الأخيرة.

عاد إلى النافذة وقال: «لكن أمي وأبي سيقلقان»، فابتسم الرجل وقال: «رحلة قطار النجوم تحدث في الوقت الذي بين النعاس والنوم، وقد تبدو لك طويلة هنا لكنها لا تأخذ من ساعتكم سوى لحظة صغيرة، ثم إننا نعيد جميع الركاب إلى أسرّتهم، هذه أهم قاعدة لدينا بعد قاعدة منع أكل البسكويت فوق خرائط النجوم».

تردد آدم قليلًا، ثم قال في نفسه إنه لن يذهب إلى مكان يخيفه أو يجعله ينسى بيته، وأحس بشيء من الطمأنينة عندما تذكر أن الله يحفظه أينما كان، ارتدى نعليه ووضع التذكرة في جيبه، فمد الرجل يده وقال: «أنا العم ريان، مراقب القطار، أهلًا بك».

العربة رقم سبعة

كانت العربة من الداخل أكثر دفئًا مما توقع آدم، مقاعدها خضراء واسعة وفوق كل مقعد مصباح صغير، أما النوافذ فكانت كبيرة إلى درجة أنه شعر للحظة أنه يجلس في السماء نفسها، ولم يكن هناك ركاب كثيرون، قطة رمادية نائمة فوق مقعد كامل، وعجوز تحمل سلة من الريش الأبيض، وطفل أصغر من آدم يعانق وسادة صفراء، وطائر طويل الساقين يقف قرب الباب وقد أخفى منقاره تحت جناحه.

جلس آدم قرب النافذة، وصفّر العم ريان صفرة قصيرة فتحرك القطار، لم يهتز ولم يصدر الضجيج الذي يعرفه آدم من القطارات، بل انساب فوق السكة المضيئة كما تنزلق قطرة ماء فوق زجاج النافذة، ثم بدأت العمارات تصغر تحتهم حتى أصبحت المدينة كلها مجموعة نقاط ذهبية.

سأل آدم: «لماذا يسمى قطار النجوم البطيء؟»، وكان العم ريان يثقب تذاكر الركاب فأجاب دون أن يرفع رأسه: «لأن هناك أشياء لا يمكنك رؤيتها إذا مررت بجانبها بسرعة».

بعد دقائق توقف أمام آدم ومد يده فأعطاه التذكرة، تفحصها العم ريان ثم تغير وجهه قليلًا وقال: «آه، لديك علامة الدائرة الزرقاء»، نظر آدم إلى التذكرة فلم ير سوى دائرة صغيرة في الزاوية، فسأل عن معناها، فأجابه العم ريان: «هذا يعني أنك لن تنزل في محطة القمر مباشرة، لديك ثلاث محطات قبلها».

قال آدم: «ولماذا؟»، فأعاد العم ريان إليه التذكرة وقال: «القطار يعرف أكثر مني، وأنا تعلمت منذ زمن ألا أجادله».

المحطة الأولى: حديقة الساعات المتعبة

آدم في حديقة الساعات المتعبة بين الساعات والياسمين والنافورة

توقف القطار قرب بوابة عالية مغطاة بالياسمين، وقال العم ريان: «محطة حديقة الساعات، سبع دقائق فقط»، نزل آدم فوجد الحديقة مليئة بالساعات، ساعات كبيرة معلقة بين الأشجار، وأخرى صغيرة فوق الصخور، وساعة ذات بندول قرب نافورة، حتى الزهور بدت كأن في وسط كل واحدة منها عقربان صغيران.

لكن شيئًا غريبًا كان يحدث، كل الساعات تدق في الوقت نفسه وبسرعة متعبة، تك تك تك تك تك، فاقترب آدم من رجل عجوز يجلس على كرسي خشبي واضعًا يديه على أذنيه، فقال الرجل: «أخيرًا جاء أحد، منذ أيام وهذه الساعات تحاول أن تسبق بعضها بعضًا، كل واحدة تريد الوصول إلى الدقيقة التالية أولًا».

اقترب آدم من ساعة صغيرة فوق غصن شجرة وسألها: «لماذا تستعجلين؟»، فأجابت بصوت رفيع: «إذا وصلت إلى الغد بسرعة سأعرف ماذا سيحدث»، وقالت ساعة أخرى إنها تريد الوصول إلى الصباح لتعرف هل ستمطر، وأضافت ثالثة أنها تريد معرفة نتيجة مباراة الأسبوع القادم.

ضحك آدم في البداية، ثم تذكر نفسه في السرير قبل قليل، فقد كان يفكر في الغد بالطريقة نفسها، في مشروع المدرسة ومباراة الجمعة وما قد يحدث وما قد لا يحدث، فقال للساعات: «لكنكم إذا أسرعتم كثيرًا فلن تروا ما يحدث الآن».

توقفت أقرب ساعة لحظة وسألته: «وماذا يحدث الآن؟»، نظر آدم حوله فشم رائحة الياسمين، وسمع الماء يتساقط من النافورة، ورأى طائرًا صغيرًا نائمًا فوق أحد الأغصان، فقال: «الآن الحديقة جميلة جدًا».

هدأت الساعة، ثم خف صوت أخرى، وبعد لحظات عادت الحديقة كلها إلى إيقاع واحد هادئ، تك... تك... تك، فجاء الرجل العجوز وربت على كتف آدم وقال: «الدقيقة لا تحتاج إلى من يدفعها، فهي تعرف طريقها جيدًا».

عاد آدم إلى القطار وهو يفكر في كلام أمه، «غدًا سيأتي في وقته»، وشعر أن العبارة أصبحت أوضح قليلًا الآن.

المحطة الثانية: بحيرة الأصوات الصغيرة

آدم والعم ريان يجلسان بهدوء قرب بحيرة الأصوات الصغيرة في ضوء القمر

واصل القطار سيره بين الغيوم حتى ظهرت أسفلهم بحيرة كبيرة ساكنة كمرآة سوداء، وفي وسطها رصيف خشبي صغير، توقف القطار هناك ونزل آدم هذه المرة مع العم ريان.

سأل آدم: «ما الذي يجب أن أفعله؟»، فأشار العم ريان إلى الماء وقال: «اسمع»، وقف آدم ساكنًا ولم يسمع شيئًا في البداية، فقال: «لا يوجد صوت»، فأجابه العم ريان: «انتظر أكثر».

بعد لحظات بدأ آدم يسمع أشياء لم ينتبه إليها من قبل، نقطة ماء تسقط من ورقة، وحفيف عشب، وضفدعًا بعيدًا، وحركة سمكة تحت سطح البحيرة، ثم سمع نفسه هو، شهيقًا بطيئًا وزفيرًا أطول قليلًا.

قال العم ريان: «عندما يكون يومنا مليئًا بالأصوات الكبيرة، ننسى الأصوات الصغيرة»، جلس آدم على طرف الرصيف وجاءت يرَاعة وحطت قرب يده، ثم ثانية وثالثة، ولم يحدث شيء مثير، لم يظهر وحش من الماء ولم تسقط نجمة ولم يكن هناك لغز ينتظر الحل، ومع ذلك لم يشعر بالملل.

أخذ نفسًا هادئًا، وتذكر الأذكار التي قالها مع أمه قبل النوم، وكيف كان يرددها بسرعة أحيانًا بينما رأسه مشغول بشيء آخر، فقال في نفسه إن بعض الكلمات لا تحتاج إلى صوت مرتفع كي تصل إلى القلب.

قال للعم ريان: «أعتقد أنني أحب هذه المحطة»، فابتسم الرجل وأجابه: «معظم الناس لا يعرفون ذلك إلا بعد أن يجلسوا فيها قليلًا».

وعندما عادا إلى القطار وجد آدم القطة الرمادية قد انتقلت إلى مقعده، جلس بجوارها ففتحت عينًا واحدة ثم وضعت رأسها فوق ساقه وكأنهما يعرفان بعضهما منذ سنوات.

المحطة الثالثة: قرية المصابيح الأخيرة

آدم ومريم في قرية المصابيح الأخيرة تحت سماء مليئة بالنجوم

بدأ القطار ينحدر ببطء نحو قرية صغيرة فوق تل، كانت كل بيوتها مظلمة ما عدا بيتًا واحدًا، وبعد لحظات انطفأ مصباح ذلك البيت أيضًا ولم يبقَ مضاءً سوى مصباح وحيد في آخر الشارع.

قال العم ريان: «قرية المصابيح الأخيرة»، ونزل آدم وحده هذه المرة، وفي نهاية الطريق رأى طفلة تقف فوق سلم صغير وتحاول الوصول إلى مصباح معلق أمام منزلها.

اقترب منها وقال: «هل أساعدك؟»، نزلت الطفلة عن السلم وأجابت: «لا أستطيع إطفاءه»، ظن آدم أن المصباح معطل، لكنها قالت: «لا، أنا التي لا أريد إطفاءه، اسمي مريم، وأبي وأمي نائمان، لكنني أخاف أن تنطفئ جميع الأنوار، ماذا لو احتاج أحد إلى الضوء؟».

نظر آدم حوله، وكانت القرية مظلمة فعلًا، لكن السماء فوقها امتلأت بالنجوم، ثم لاحظ قرب الطريق أحجارًا صغيرة مطلية بلون أبيض تلمع تحت ضوء القمر وترسم مسارًا من بيت إلى آخر، فسأل مريم عنها.

قالت: «وضعها أهل القرية حتى يعرف الناس الطريق عندما تنطفئ المصابيح»، ثم سكتت قليلًا ونظرت إلى الضوء فوقها، فقال آدم: «إذن ربما لا يحتاج هذا المصباح إلى أن يبقى مستيقظًا وحده طوال الليل».

ظلت مريم مترددة، فقال آدم: «أمي تقول إننا نفعل ما نستطيع ثم نتوكل على الله، ربما أهل القرية فعلوا ما يستطيعون حين وضعوا علامات الطريق، ولا يحتاج مصباح واحد أن يحمل القرية كلها فوق كتفيه».

ابتسمت مريم وأدارت المفتاح، فانطفأ المصباح، وفي اللحظة التي اختفى فيها نوره أصبحت النجوم فوقهما أوضح بكثير، رفعت مريم رأسها وقالت بدهشة: «لم أكن أعرف أن السماء بهذا الشكل»، فأجاب آدم: «ربما لأن المصباح كان قويًا جدًا».

صعد آدم إلى القطار ولوحت له مريم حتى ابتعدت القرية، وبقي يفكر في أن الإنسان قد يفعل ما يستطيع ثم يترك ما بعد ذلك لله، بدل أن يظل مستيقظًا يحاول السيطرة على كل شيء.

العربة التي أصبحت أكثر هدوءًا

عندما عاد آدم وجد معظم الركاب نائمين، العجوز وضعت سلة الريش تحت رأسها، والطفل الصغير نام وهو يعانق وسادته، والطائر الطويل جلس أخيرًا وطوى ساقيه تحته، حتى العم ريان خفّض إضاءة المصابيح.

جلس آدم قرب النافذة وسأل: «هل بقيت محطة أخرى؟»، أجابه العم ريان: «واحدة فقط»، فقال آدم: «القمر؟»، فأومأ الرجل وقال: «القمر».

بعد لحظات سأل آدم: «لماذا أخذني القطار إلى هذه الأماكن؟»، عدل العم ريان قبعته وقال: «أنا مجرد مراقب قطار ولا أفسر التذاكر»، ثم ابتسم وأضاف: «لكن لو اضطررت إلى التخمين فسأقول إن رأسك كان مزدحمًا قليلًا الليلة».

نظر آدم من النافذة وتذكر الساعات التي أرادت الوصول إلى الغد قبل موعده، والبحيرة التي لم يكن فيها شيء مهم سوى الأصوات الصغيرة، ومريم التي ظنت أن عليها إبقاء المصباح مضاءً وحدها حتى الصباح، فقال: «ربما كان مزدحمًا فعلًا».

محطة القمر

آدم يجلس تحت شجرة فضية في محطة القمر والقطار الأزرق ينتظره

ظهر القمر أمام القطار أكبر مما رآه آدم في حياته، لم يكن كرة صغيرة في السماء بل أرضًا فضية واسعة تتخللها تلال منخفضة ومسارات من الضوء، توقف القطار عند رصيف بسيط لا توجد قربه مبانٍ، فقط مقعد أبيض وشجرة غريبة ذات أوراق فضية.

قال العم ريان: «هنا تنتهي رحلتك»، نزل آدم وسأله عما ينبغي فعله، فأشار إلى الشجرة وقال: «اجلس قليلًا»، جلس آدم تحتها فوجد الأرض دافئة رغم لونها الفضي.

انفصلت ورقة واحدة عن أحد الأغصان، لكنها لم تسقط سريعًا، ظلت تهبط ببطء شديد حتى استقرت في كفه، وكانت خفيفة كأنها مصنوعة من الضوء، اقترب العم ريان وقال: «احتفظ بها لتتذكر الرحلة عندما تستيقظ».

سأله آدم: «هل يأتي الجميع إلى هنا؟»، فأجابه: «كل شخص يصل إلى محطة مختلفة، بعض الناس يحتاجون إلى بحر، وبعضهم إلى غابة، وبعضهم لا يحتاجون إلى قطار أصلًا».

ظل آدم ينظر إلى الورقة بين أصابعه ثم قال: «أظن أنني فهمت شيئًا»، سأله العم ريان عما فهمه، فقال آدم: «ليس عليّ أن أعرف ماذا سيحدث غدًا حتى أستطيع النوم الليلة، أنا أفعل ما أستطيع، وأدع ما لا أستطيع لله».

لم يقل العم ريان شيئًا، فقط ابتسم، ثم قال: «يبدو أن تذكرتك كانت تعرف جيدًا أين تأخذك».

تثاءب آدم طويلًا، فقال العم ريان: «حان وقت العودة».

الطريق إلى السرير

في طريق العودة لم يتوقف القطار في أي محطة، جلس آدم في مقعده وأغمض عينيه وسمع صوت العجلات الناعم فوق السكة المضيئة، تمم... تمم... تمم...، ولم يكن متأكدًا كم مضى من الوقت، ربما دقيقة وربما ساعة.

عندما فتح عينيه قليلًا كانت نافذة غرفته أمامه، قال العم ريان: «وصلنا»، دخل آدم غرفته وتسلل تحت الغطاء، وقبل أن تغلق النافذة قال: «شكرًا»، فرفع العم ريان قبعته وقال: «نومًا هادئًا يا آدم».

تحرك القطار وصغر شيئًا فشيئًا حتى أصبح نقطة خضراء في السماء ثم اختفى، وضع آدم رأسه فوق الوسادة وهذه المرة لم يبدأ في ترتيب الغد داخل رأسه، استمع إلى سيارة بعيدة وحركة الستارة ثم إلى تنفسه، وتذكر المصابيح التي تستطيع أن تنطفئ لأن الطريق لا يعتمد على ضوء واحد، والساعات التي تركت الغد يأتي في وقته.

همس بما بقي يتذكره من ذكر النوم، ثم قال في نفسه: «يا رب، أنا فعلت ما أستطيع اليوم، وغدًا عندك»، وبعدها مد يده إلى جيب ملابس النوم فوجد شيئًا صغيرًا، أخرجه فرأى الورقة الفضية.

ابتسم آدم ووضعها قرب المصباح، ثم أغلق عينيه، ولم يحتج النوم هذه المرة إلى خريطة كي يجد طريقه.

لماذا تناسب هذه القصة وقت النوم؟

تعمدنا أن تسير أحداث هذه القصة الطويلة قبل النوم بإيقاع يهدأ تدريجيًا، تبدأ بالفضول وظهور القطار ثم تقل الحركة مع كل محطة حتى نصل إلى البحيرة الهادئة والقمر والعودة إلى السرير، لأن الحكاية التي تسبق النوم لا تحتاج بالضرورة إلى نهاية صاخبة أو مفاجأة تجعل الطفل أكثر يقظة.

وفي الوقت نفسه تحمل القصة معاني قريبة من التربية الإسلامية دون أن توقف السرد لتلقين الطفل، فآدم يبدأ ليلته بأذكار النوم، ثم يكتشف خلال الرحلة معنى عمليًا بسيطًا للتوكل على الله، أن نفعل ما نستطيع ونترك ما لا نملك لله، وأن القلق على الغد لا يجعل الغد أفضل.

كيف تقرأ قصة طويلة لطفلك قبل النوم؟

لا تحتاج إلى قراءة القصة بسرعة حتى تنتهي منها، فالهدف هنا ليس الوصول إلى آخر سطر، اقرأ بصوت أبطأ قليلًا من المعتاد، واترك مساحة قصيرة بين المشاهد، وعندما تقترب الأحداث من النهاية يمكنك خفض صوتك تدريجيًا بدل رفعه لإثارة الطفل.

وإذا بدأ طفلك يشعر بالنعاس قبل انتهاء الحكاية فلا داعي لإيقاظه لمعرفة النهاية، فهذا في الحقيقة يعني أن القصة أدت جزءًا من وظيفتها، ويمكنكم العودة في الليلة التالية إلى المكان الذي توقفتم عنده.

كما يمكن أن يكون وقت القصة امتدادًا هادئًا لروتين النوم، بعد الوضوء وأذكار المساء أو أذكار النوم المناسبة لعمر الطفل، من غير أن يتحول كل مساء إلى درس طويل أو اختبار للحفظ، فالمقصود أن يرتبط النوم عند الطفل بالطمأنينة والقرب من والديه وذكر الله.

سؤال هادئ بعد القصة

أي محطة من محطات قطار النجوم كنت ستختار أن تبقى فيها قليلًا؟ ولماذا؟

وإذا أراد الطفل التوسع يمكنك سؤاله أيضًا: ما الشيء الذي تستطيع أن تفعله ثم تترك الباقي لله بدل أن تقلق بشأنه؟، لكن لا حاجة إلى إجابة مثالية، فقد يجيب عن امتحان أو مباراة أو زيارة أو شيء بسيط لا يتوقعه الكبار.

بطاقة المربي

قصص ما قبل النوم لا تحتاج دائمًا إلى درس معلن في النهاية، ففي هذا الوقت تحديدًا قد يكون الشعور الذي تتركه القصة أهم من الرسالة التي يستطيع الطفل تكرارها بالكلمات، ولهذا من الأفضل أن تظهر القيم الإسلامية داخل الشخصيات وتصرفاتها واللغة اليومية للأسرة، لا أن تأتي في خطبة منفصلة بعد انتهاء المغامرة.

يمكن للأم أن تذكر الله في موقف طبيعي، ويمكن للأب أن يربط الشكر بنعمة عاشتها الأسرة، ويمكن للطفل أن يتعلم التوكل من تجربة يمر بها، وبهذه الطريقة يشعر الصغير أن هذه القيم جزء من الحياة نفسها لا معلومات محفوظة خارجها.

وإذا كان طفلك يستمتع بالحكايات التي تساعده على الانتظار والهدوء، يمكنكم أيضًا قراءة قصص قصيرة عن الصبر للأطفال، أما رحلة آدم فدعوا قطارها يتوقف هنا، فقد حان وقت أن تنطفئ المصابيح قليلًا.

كلمة أخيرة

قد يبحث الأب أو الأم عن قصة قبل النوم طويلة للأطفال لأن الطفل ما يزال مستيقظًا، لكن أجمل ما يمكن أن تقدمه الحكاية في نهاية اليوم ليس طولها وحده، بل أن تصبح جسرًا هادئًا بين عالمين، عالم بقيت فيه أصوات النهار والأسئلة والمهام، وعالم آخر تبدأ فيه الجفون بالثقل ويشعر الطفل أنه يستطيع أن يترك ما لا يملكه لخالقه وينام مطمئنًا.

وربما في ليلة ما، عندما لا يجد النوم طريقه سريعًا إلى سرير صغير، يكفي أن نتذكر أن هناك في مكان بعيد قطارًا أزرق يسير ببطء بين النجوم، وأن الغد سيأتي في وقته دون أن نطارده.

تعليقات